محمد بن جرير الطبري
188
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فأمرهم الله أن يفيضوا من حيث أفاض الناس ; وكانت سنة إبراهيم وإسماعيل الإفاضة من عرفات . 3840 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، قال : كانت قريش - لا أدري قبل الفيل أم بعده - ابتدعت أمر الحمس ، رأيا رأوه بينهم ، ( 1 ) قالوا : نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت ، وقاطنو مكة وساكنوها ، ( 2 ) فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا ، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا ، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم ، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم " ( 3 ) وقالوا : قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم ، فتركوا الوقوف على عرفة ، والإفاضة منها ، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم ، ويرون لسائر الناس أن يقفوا عليها ، وأن يفيضوا منها ، إلا أنهم قالوا : نحن أهل الحرم ، فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ، ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس - والحمس : أهل الحرم . ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكني الحل مثل الذي لهم بولادتهم إياهم ، فيحل لهم ما يحل لهم ، ويحرم عليهم ما يحرم عليهم . وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك . ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن ، حتى قالوا : " لا ينبغي للحمس أن يأقطوا الأقط ، ولا يسلأوا السمن وهم حرم ، ( 4 ) ولا يدخلوا بيتا من شعر ، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حراما " . ثم رفعوا في ذلك ( 5 ) فقالوا : " لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل
--> ( 1 ) في سيرة ابن هشام : " رأيا رأوه وأداروه " . ( 2 ) في سيرة ابن هشام : " وقطان مكة وساكنها " . ( 3 ) في سيرة ابن هشام : " بحرمتكم " . ( 4 ) في سيرة ابن هشام : " أن يأتقطوا " ائتقط الأقط : اتخذه والأقط : شيء يتخذ من اللبن المخيض ، يطبخ ثم يترك حتى يمصل وهو من ألبان الإبل خاصة . وسلأ السمن : طبخه وعالجه فأذاب زبده . والحرم ( بضمتين ) جمع حرام . رجل حرام : محرم . ( 5 ) رفعوا في ذلك : زادوا وغالوا .